التنظير للمجزرة: الحل غير البرازيلي!
محمد عبدالناصر
التحقيقات في الحادثة بينت بعد ذلك أن معظم أفراد هذه العصابة هم من الضباط العاملين في "الشرطة العسكرية"..!
بعدها بشهر واحد حدثت مجزرة أخرى بشعة قتل فيها 21 شخصًا، على أيدي أفراد العصابة نفسها المكونة أساسا من الضباط.
تم اعتقال المجموعة كلها، وحصل بعضهم على أحكام بالسجن، وبعضهم حصل على البراءة لعدم كفاية الأدلة أثناء المحاكمة.
في كل ما سبق أن حكيتُه لك.. ومصدرُه تقرير نشرته منظمة العفو الدولية على موقعها الإلكتروني في 24 يوليه 2013، يتضح أننا أمام واقعة جنائية بحتة، تورط فيها رجال "شرطة عسكرية" برازيليين في سنة 1993، وتم عقابهم عليها، لأن ما فعلوه كان تصرفا خارجا على القانون وعلى الإنسانية، ولا يمكن بأي حال من الأحوال أن تقبله دولة مسؤولة أو مجتمع عاقل.
لم تكن هناك حملة أو توجه قومي لإعدام أطفال الشوارع.. أو "تجربة" برازيلية في تحقيق التقدم والاستقرار من خلال المجازر الجماعية، كما يدعي البعض ممن تُفرد لهم صفحات الجرائد هنا في القاهرة.
إننا نعيش في مصر في هذه الفترة أجواء غير مسبوقة على الإطلاق من التنظير للمجازر والتبرير للجرائم ضد حقوق الإنسان، بل ضد وجود الإنسان نفسه.. يعمل البعض بكل السبل على تشويه حقائق التاريخ والسياسة، من أجل توفير غطاء لجعل بعض المجازر والجرائم الكبرى مقبولة في بلادنا، ومبررة من أجل خدمة أهداف بعض الأجهزة التي لا تراعي الله ولا الضمير في حرمة دماء المصريين وحقوقهم وحرياتهم.
لكن إذا تحول الصحفيون والكتاب والمثقفين الذين يفترض منهم أن ينشروا الوعي بالحقائق وبمعطيات الأمر الواقع إلى مجموعة من المبررين للسلطة، والمتزلفين للقتلة، فلا يجب عليك أنت أخي القارئ أن تسمح لأحد بأن يُقنعك بما هو مخالف للفطرة وللطبيعة ولمبادئ الضمير الإنساني.. منذ متى كان القتل يبني دولا؟! منذ متى والحضارات تقوم لها قائمة على أساس الظلم والاضطهاد والتمييز؟!
صحيح أن كل دول العالم تقريبا مرت بمراحل اقتتال أهلي أو ديكتاتورية قهرية في تاريخها، وفي التاريخ البرازيلي القديم ما هو أسوأ من ذلك من المجازر والمواجهات، ولكن التقدم الاقتصادي الذي تحققه البرازيل الآن، أو غيرها من الدول التي تقدمت.. لم يحدث لأنهم بدؤوا من المجزرة، وجعلوها نبراسا لطريقهم..! ولكن حدث لأنهم بدؤوا من محاسبة الذين قاموا بالمجزرة، ولأنهم تجاوزوا المجزرة، وتعلموا منها شيئا، ولأنهم لم يقبلوا أن يسيطر على وعيهم مجموعة من المحرضين على القتل والمرضى بالتبرير للجريمة، الذين احترفوا التنظير للمجازر والمذابح والجرائم المضادة للإنسانية.
إذا فعلا نريد أن نتقدم أو نتعلم شيئا مما حققته البرازيل وغيرها، فيجب أن نعرف أننا سنصبح مثلهم عندما نتمكن مثلهم من محاسبة "ضابط" قام بجريمة إبادة ضد من لا نحبهم ولا نقبلهم!
ليست هناك تعليقات:
إرسال تعليق